مضى وقت طويل، طويل للغاية – حوالي سنة و٨ أشهر- على آخر تدوينة كتبتها هنا. الكثير من الأحداث وقعت خلال هذه الفترة الطويلة- مازلت أكرر كلمة طويلة- أنجبتُ طفلي عبدالعزيز، وعملتُ على مشاريع متعددة، وجاءتني فرصة قيل لي بأنها فرصة العمر لكنني رددتها ب لا. لا مانع من قول لا أليس كذلك؟ أفنيتُ عمري وأنا آخذ بنصائح الآخرين في تجنّب قول لا والخروج من منطقة الراحة. أود أن أرتاح قليلًا، خاصة أن فرصة العمر هذه ستكون كغيرها نتاج حماس مِن قائلها، ستتضح لاحقًا بأنها مجرد بذل مجهود فقط، والأكيد أنه مجهود إيجابي لكنه لا يُصنف كفرصة عُمر.
لا أعلم لماذا فتحتُ جهاز الكمبيوتر الآن لتدوين هذه الكلمات، راودتني فجأة رغبة شديدة في الكتابة خاصة أنها بداية السنة- محفز قوي لمن يؤمن بالتغيير مع الأوراق الأولى للتقويم السنوي- أو لأنني أدفع مبلغًا ليس هينًا وبشكل سنوي للحفاظ على اسم مدونتي في عالم الإنترنت، أو مايُسمى حقوق الدومين، بالإضافة إلى مبالغ أخرى لحماية المدونة من القرصنة ومنع الإعلانات وغيرها. وكل هذا لا أجني منه شيئًا سوى أنني أحافظ على كلماتي وذكرياتي أمام الآخرين. أصبحتُ قليلة الثرثرة وبكماء في تويتر، لا أدري هل هذا تكاسل أم حكمة.
وبالحديث عن الدومين، ولأنني تأخرت في الدفع، استخدمه شخص آخر الآن، فنقلتُ نجم إلى net بدلًا من com، وهذا بالطبع له تبعات كثيرة. لن تظهر تدويناتي في التغريدات القديمة على تويتر إذا وجدها شخص ما. سيظهر له أن الرابط به خطأ. حاولتُ كثيرًا أن استرده ولكن بلا فائدة. هل هذه إشارة؟
خلال العام الماضي، لم أقرأ سوى كتاب واحد فقط. لم يحدث قط -في حياتي كلها- أن قرأتُ كتابًا واحدًا في العام، حتى في طفولتي كنت أقرأ مجلات ماجد وميكي بشكل أسبوعي. أشعر أحيانًا بأنني لستُ نادمة، فقد انصب تركيزي على طفليّ، لكن في داخلي لا أخفيكم بأنني أشعر بالندم أحيانًا، وأُوعز هذا الأمر إلى قضاء وقت طويل على تيك توك.. كيف أُركزّ في القراءة وقد اعتدتُ المقاطع السريعة والشحن الفوري لمزاجي بالدوبامين العائد من مشاهدتي لعشرات الفيديوهات؟
مازلتُ أتابع بعض المدونات مثل مدونات هيفاء وفؤاد الفرحان، وكم أغبطهما. أدركُ أن الالتزام في الكتابة مجهود صعب لكن له عائد نفسي جميل، لا أرغب في خسارة لياقتي في التدوين خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي في عالم الكتابة.
لذلك أتعهد أمامكم ما استطعت-دون وعد، هل ينفع ذلك؟- بالاستمرار في التدوين، وسوف يُنير نجمٌ صندوق بريدكم الإلكتروني بشكل متكرر. بسم الله.
قضيتُ ساعات ممتعة بين صفحات كتاب ”العم الذاهب“ والذي ابتعته من معرض الكتاب الدولي في الرياض. يستعرض الكتاب رحلة ابراهيم المازني المعرفية من القراءة إلى الكتابة بمقالات كتبها في هذين الموضوعين. ومن اللافت أن أسلوب المازني ساخر ممتع، فعلى سبيل المثال عندما تحدث عن فرانسيس بيكون قال ”وكان بيكون رحمه الله أو صنع به ما شاء“! قيل أنه ترجم بيتين عن الألمانية، وأوصى أن يُكتبا على قبره:
أيها الزائر قبري .. اتل ما خُط أمامك ها هنا فاعلم عظامي .. ليتها كانت عظامك!
نقلت لهذه التدوينة بعض الأمور التي تحدث عنها المازني في الكتابة لعلها تفيدكم:
١- الخطوة الأولى هي العسيرة: امسك قلمك واكتب، لأن ”الكلام يفتح بعضه بعضًا“. وكما أن الصعوبة في ممارسة الرياضة تكمن في الذهاب للنادي، يقول المازني إن الصعوبة ”هي أن أبدأ.. والخطوة الأولى هي العسيرة والتي يكثر قبلها التردد، حتى إذا خطاها الإنسان صار ما بعدها سهلًا“.
٢- التعود على مكان معين للكتابة: كأن تجعل لك ركنًا في المنزل تلتزم بالجلوس عليه والكتابة فيه، حتى إذا ما جلست عليه تجهزت نفسيًا للكتابة. يقول المازني في هذا الشأن ”وقد تعودت أن لا أكتب إلا على مكتبي في الجريدة.. كل ما هنالك أنني حين أعزم على كتابة قصة أجلس إلى مكتبي وأنا خالي الذهن إلا من هذا العزم، فإذا كتبت السطر الأول منها انحلت أمامي كل مشكلة“.
٣- هل اعتدت الكتابة في ضوضاء أم في مكان ساكن؟ يقول المازني ”يستوي عندي الآن أن تكون الغرفة خالية ساكنة وأن تكون كالسوق القائمة كلها ضوضاء، فإن في وسعي أن أنصرف عن الضجة وأن أحصر التفاتي في عملي بحيث لا أسمع ما يدور حولي من اللغط بالغًا ما بلغت ضجته.. وهذا فعل العادة“.
٤-من أين تستلهم الأفكار؟ يستخدم المازني كلمة ”الوحي“ للدلالة على الإلهام، فيقول إن ”الأديب يستوحي من كل إنسان وكل ما هناك من الفرق بين الأديب وغيره أن الأديب أسرع تلقفًا للوحي واستجابة له“.
٥- اهتم بالفكرة جيدًا: يقول المازني ”والكاتب يُعنى بالفكرة قبل أن يعنى بوقِعها، وهمه الأول جلاؤها وعرضها في أحسن حلاها وأقواها“، وشبه الكاتب بالممثل الذي يجب أن ينتبه جيدًا لتمثيله وأن ينصرف عن التفكير بما يفعله تمثيله على الجمهور.
٦- لا بأس أن تكتب من أجل المال! فالكتابة قد تكون حِرفة ومصدر رزق للبعض، وفي ذلك يقول المازني ”وإني لأكتب، ولكن للخبز لا للأدب.. وهو مُرتزقي وقوتُ عيالي“ ويقصد بذلك كتاباته الصحفية.
٧- ولا بأس أن يصدر عنك بعض ”السخافات“، فهوّن عليك: يقول المازني في ذلك ”ولست أرى هذا عيبًا.. فليس أحد بمعصوم، وكل إنسان يعتريه الفتور والضعف والكلال، ويصدر عنه الطيب والقبيح.. وليس بإنسان من يسلم من النقص والقصور والضعف“.
٨- سرعته وكسله في الكتابة: كان المازني لا يراجع ما كتبه، ولا يُسود ما كتبه، وفي ذلك قال الطنطاوي ”إن المازني ممن يكتب المقالة في جلسة واحدة لا يعيد النظر في جملة“، وقد يكون هذا سببًا في غزارة مؤلفاته. أما كسله فقد ذكر مرارًا في مقالاته أنه لا يتناول القلم إلا في اللحظة الأخيرة قبل تسليم المقالات ”وأحسب أن عملي في الصحافة وضجري منها عوّداني على ذلك.. وقاعدتي في حياتي هي أن أخالف ما علمني أستاذي في المدرسة، فأنا أرجئ إلى الغد كل ما يسعني إرجاؤه“.
أدرج سومرست موم في كتابه (روائيون عظام ورواياتهم) ١٠ روايات يعتقد بأنها أفضل ١٠ روايات في العالم. ثم كتب نبذة عن حياة كل من المؤلفين العشرة، لكن ”لم نبحث عن حياتهم الشخصية؟“ يؤكد موم أن ”نوع الكتب التي يكتبها الكاتب يعتمد على طبيعته، فإذا كان كاتبًا جيدًا فمن المستحسن أن نعرف ما يمكن معرفته حول تاريخه الشخصي“.
لاحظت أنهم يتبعون نمطًا متشابهًا في العادات فيما يخص الكتابة، ورأيت أنه من الأفضل أن أنقلها هنا واختصرها لعلها تفيدكم:
١- الكثير من القراءة: كل هؤلاء الكتاب كانوا يقرأون كثيرًا وبنهم. تولستوي كان يقرأ بشكل يومي وبلغات مختلفة. أما تشارلز ديكنز فقد قرأ في طفولته دون كيخوته، وتوم جونز، وقس ويكفيلد وغيرها وأعاد قراءتها. يقول موم أن جين أوستن كانت مثقفة وقرأت روايات مترجمة عن الفرنسية والألمانية وقد عرفت شكسبير جيدًا. أما ستندال فكان يحرص على قراءة صفحة من القانون المدني قبل أن يشرع في الكتابة حتى يهذب لغته. وقرأت ايميلي برونتي الكلاسيكيات الإنجليزية بشكل ممتاز. أما هيرمان ميلفيل صاحب موبي ديك فقد قرأ الكثير أيضًا كما هو واضح في روايته حيث ينثر الشخصيات فيها نثرًا.
٢- كثرة الكتابة: كل هؤلاء كانوا يكتبون كثيرًا. جين أوستن بدأت الكتابة في عمر مبكر. أما ايميلي برونتي فقد كانت تكتب كثيرًا للهروب من الواقع. بل كان فلوبير يكرس نفسه للكتابة ”لا نعرف أحدًا من الكتاب كرس نفسه بتلك المثابرة لفن الأدب مثل فلوبير.. فهدف الحياة بالنسبة له هو الكتابة“. وكان ديكنز مجتهدًا في الكتابة بحيث أنه يبدأ بكتابة كتاب جديد قبل أن ينتهي من القديم.
٣- الإصرار: يبدو أن الحياة اقتضت أن لكل مجتهد نصيب، وبالطبع لم تصل لنا هذه الروايات إلا عندما جاهد أصحابها كثيرًا. يقول موم أن جين أوستن عندما كتبت لم تلق استحسانا لدى الجمهور، لأن ”الرأي العام كان كارهًا للتأليف النسائي“. وعندما كتب بلزاك مأساة عن كرومويل اتفقت عائلته والبروفسور الذي أرسل له المسودة أنها رواية لا قيمة لها، لكنه غضب وأصر على العمل وكتب نحو ٥٠ كتابًا ومسرحيات ”بعضها رُفض والبقية فشلت فشلًا ذريعًا“.
٤- تدوين الملاحظات والتأمل: كان فلوبير يعتقد بأنه ”كي يكتب المرء جيدًا، فعليه أن يشعر جيدًا، ويفكر جيدًا ويتكلم جيدًا“. أما جين أوستن فكانت تتمتع بأذن جيدة. أما تشارلز ديكنز فقد كان يتمتع بقوة ملاحظة هائلة. وكان بلزاك يحمل معه دفترًا يدون فيه الملاحظات حيثما ذهب ”وحين يجد شيئًا يراه ذا فائدة، أو يعثر مصادفة على فكرة نابعة منه، أو من شخص آخر يدونها“. وكان يزور الأماكن التي يرغب في وصفها.
٥- يكتبون عن تجاربهم وخبراتهم: كان فلوبير مدركًا أن الكتابة تحتاج إلى خبرة بالعالم من حوله، وأنه لا يستطيع أن يُبدع في الكتابة وهو معتزل عن العالم. لذلك ”قرر أن يذهب إلى باريس حيث يمضي ثلاثة أو أربعة أشهر من كل عام“. لكن ماذا عن جين أوستن؟ لقد كانت سيدة مُعتزلة مقارنة بفلوبير ولكنها كتبت عن تجاربها وخبراتها متمثلة في مجتمعها عن حفلات الرقص والأحاديث النسائية، ولاحظ موم أنها ”لم تحاول أبدًا إعادة خلق محادثة بين الرجال، لأنها لم تسمعها في الواقع“!
أما ميلفيل فقد كان يكتب عن تجاربه ومغامراته في جنوب الباسيفيك من أجل أن يكسب المال. وكان هنري فيلدينغ يتعلم من الحياة ويكتب عنها في شخصياته.
٦- الكثير من التعديلات: كما تولستوي الذي كان يراجع كتاباته ويحذف الزوائد والمقاطع غير الواضحة، كان فلوبير أيضًا ”يكتب مسودة تقريبية لما يود قوله، ثم يعمل عليها، يطور ويحذف، ويعيد الكتابة إلى أن يحصل على التأثير المطلوب.. كان يخرج إلى التيراس ويقرأ بصوت عال الجمل التي كتبها ليكون على قناعة من أنها إن لم تكن جميلة الجَرس في الأذن أو أن نطقها ليس سهلًا، فلا بد أن هناك شيئًا خاطئًا فيها“. أما بلزاك فقد كان يعدل ويحذف كثيرًا ”إنه لا يضيف كلمات فقط، بل يضيف جملًا وليس فقط جملًا، بل فقرات، وليس فقرات فقط، بل فصولًا“.
اقرأ حاليًا يوميات تولستوي، ولاحظت أنه لم يكن مُعجبًا بمسرحيات شكسبير التي بلغت شهرتها الآفاق. وكمعجبة مخلصة لمسرحيات شكسبير – ربما أخصص لها تدوينة يومًا- حرصتُ على البحث عن السبب الذي يجعل تولستوي “يكره” شكسبير.
ففي يومياته كتب تولستوي ”حُظي شكسبير بالتقدير عندما فقدنا معيارنا الأخلاقي“
وكذلك ”ثمة سمعات كثيرة زائفة نال أصحابها المجد مصادفة أمثال شكسبير“. وقد كتب في يومياته الأولى أنه قرأ لشكسبير “ولم يروق لي”.
وجدت أن تولستوي كتب مقالة نقدية عن شكسبير والدراما، يقول أنه حاول فيها أن يفهم شكسبير خلال ٥٠ عامًا ومن خلال أفضل أعماله من خلال قراءته للمسرحيات باللغات الروسية والألمانية والإنجليزية: الملك لير، وعطيل، وهاملت لكنها مازالت في نظره ”أعمال وضيعة وغبية“!
وقبل أن يكتب مقالته هذه، قرر تولستوي أن يقرأ مرة أخرى أعمال شكسبير كاملة وهو في عمر ال٧٥، ثم كتب ”اليقين التام الذي لا ريب فيه..إن هذا المجد إنما هو شر عظيم“.
حلل تولستوي الملك لير في مقالته ثم عطيل وهاملت واختتمها بقوله ”إن شكسبير لم يكن فنانًا وأعماله ليست فنية“.
لكن لماذا ينبهر الناس بمسرحيات شكسبير؟ لدى تولستوي بعض التفسيرات:
الإيحاءات الوبائية التي سادت بين الناس بعظمة شكسبير، كالإيمان بالساحرات وحجر الحكمة كلها اعتقادات باطلة لكنها كالوباء سادت بين الناس، وكذلك عظمة شكسبير.
الحملات الصليبية، ومن بعدها انتشرت مسرحيات شكسبير.
غوته! من أجل نسف الشعر الفرنسي، مدح غوته الألماني شكسبير وأعلن أنه شاعر عظيم بل وأعظم شاعر عرفته البشرية. ولأن غوته عظيم، فكل مايقوله عظيم ومُصدّق أمام الناس.
لم يكتف تولستوي بسرد رأيه، بل دعا الآخرين إلى قراءة مسرحيات شكسبير ليحكموا بأنفسهم ويقرروا:
”افتحوا أي كتاب من كتب شكسبير وستلاحظون أنكم لن تعثروا على عشرة أسطر متتالية مفهومة وطبيعية تخلق انطباعات فنية خاصة بالشخصية التي تقولها، بإمكان أي واحد منكم القيام بهذه التجربة“.
قابل الإيرلندي جورج برنارد شو هذه المقالة النقدية بحماس وصفق لها، وكتب رسالة قائلًا فيها ”لقد سعيت جاهدًا أن أفتح عيون الإنجليز على تفاهة فلسفة شكسبير“، ”سوف تعتبر الصحافة الإنجليزية أن تولستوي يعد أعماله أفضل من شكسبير“. بل إن برنارد شو كتب مسرحية قصيرة (مسرحية دُمى puppet play) أبطالها اثنين: هو نفسه جورج برنارد شو وشكسبير، يتحاوران أيهما أفضل ويفوز شو عليه.
أما جورج أوريل فقد كتب مقالة قال فيها أن تولستوي كان حقودًا وأعمى بشكل متعمد ولم يكن محايدًا في نقده لشكسبير، ثم تطرق لشخصية تولستوي، لماذا اختار تولستوي الملك لير؟ ”لأنه كان مدركًا بوعي أو غير وعي التشابه بين قصة لير وبين قصته“. انظروا:
– رجل عجوز بشعر أبيض ولحية ومعطف طويل مثل تولستوي.
– تولستوي مثل لير تصرف بناء على دوافع خاطئة وفشل فيها- التخلي عن السلطة والأراضي
– لم يكونا متواضعين.
– وملاحظتهما عن الزواج تتشابه، وكذلك نهايتهما: الموت في كوخ في قرية غريبة.
ثم إن ١٢ من مسرحيات شكسبير -والتي كُتبت بعد عام ١٦٠٠- كانت أخلاقية وذات معنى، وهذا عكس مايقوله تولستوي عن المعيار الأخلاقي. في نهاية المقالة استنتج أورويل أن تولستوي لابد وأنه قد فكّر أنه كلما ازداد استمتاع الناس بشكسبير، كلما قل اهتمامهم بتولستوي.. لا أحد سيقرأ هذه المقالة لولا أن تولستوي لم يكن هو مؤلف الحرب والسلام وآنا كارنينا.
في النهاية، لاننس أن تولستوي قد انتقد تشيخوف وعدّ مسرحياته ”أسوأ من شكسبير“ -المسكين تشيخوف!- وأن طه حسين لم يعجبه المتنبي، وأن إدوارد سعيد لم تعجبه أم كلثوم. أظنها أذواق شخصية.
عندما شرعتُ في قراءة يوميات تولستوي، لاحظتُ أنه يولي اهتمامًا بالغًا بشأن الكتابة بشكل يومي. دوّنت هنا بعض الملاحظات عن تولستوي والكتابة قد تُلهمكم أو تضيف إليكم شيئًا:
١- الكثير والكثير من الكتابة!
يكتب تولستوي بشكل يومي: يومياته وخطابات وروايات، ويقول أنه لا بد من الكتابة اليومية ”حتى لا تفارقني حالة الكتابة“. ويتحسر إن لم يكتب شيئًا خلال اليوم، فيدوّن هكذا في يومياته: كتبتُ صفحة كتبتُ صفحتين لم أستطع كتابة أكثر من ربع صفحة لابد أن أكتب كتبتُ قليلًا كتبتُ صباحًا ومساءً لكن بكمية قليلة غدًا سوف أكتب
٢-إن الكتابة عند تولستوي هي وظيفة لابد من ممارستها باستمرار ”فالاستمرارية والحسم هما السمتان اللتان تضمنان النجاح في كل شيء“.
٣- قد تأتيك فكرة تكتب عنها، لكنك ما إن تصل إلى منتصف الموضوع حتى تجد أن هذا الأمر قد صعب عليك، وأن شغفك به قد خف ”من الصعب الاستمرار في الكتابة بنفس الشغف الذي بدأ به المرء ونفس الجودة“.
٤- احرص كل الحرص على الكتابة بوضوح وتناسق وأعد قراءة ماكتبته حتى تتأكد من وضوح أفكارك ”لابد أن أتعود أن أكتب دائمًا بوضوح وتناسق ولكن كثيرًا ما يحدث-دون وعي مني- أن أُخفي الغموض أو الأفكار الخاطئة عن نفسي بمناورات وانعطافات والتواءات“.
٥- عندما تصيبك قفلة الكاتب، لايوجد حل إلا أن تُجبر نفسك على الكتابة أو أن تُهمل المقطع الذي تكتبه وتمضي قدمًا في كتابة مقطع آخر. المهم أن تستمر في الكتابة ”كثيرًا ما يحدث أن أتوقف رغمًا عني عند مقاطع معينة في العمل الأدبي. من الضروري حينها إما أن أجبر نفسي على كتابة هذا المقطع أو مناورته وتنحيته جانبًا، وعدم السماح لنفسي بالتوقف عن الكتابة بدعوى التردد“.
٦- ضرورة المراجعة وحذف الزوائد والمقاطع غير الواضحة ”راجع كل عمل أدبي انتهيت من مسودته الأخيرة، واحذف كل ماتجده زائدًا ولا تضف شيئًا، هذه هي العملية الأهم. عليّ أن أمحو دون أسف كل ما هو غير واضح وممتد وغير مناسب، باختصار كل الأجزاء غير المرضية حتى وإن كانت جيدة في حد ذاتها“. لكن لابد الحذر من كثرة المراجعة لجزئية معينة والتي تؤدي إلى حذف الجيد منها، كالطالب في الاختبار عندما يراجع الحل كثيرًا ويشك فيه فيحذفه ويكتب حلًا آخر ”إن قرأ المرء جزءًا معينًا كثيرًا سيقوم بإصدار أحكام غير سليمة بشأنه وستختفي فتنة الكتابة واهتمامه ومفاجأته بهذه الجزء.
٧- من هم قراء محتواك؟ ”يتخيّل كل كاتب مجموعة معينة من القراء عندما يكتب. عليه أن يحدد بوضوح متطلبات هذه الفئة من القراء، وإن كانت الحقيقة أن العالم كله لا يضم سوى قارئين فقط، فعليه أن يكتب من أجلهما. أغلب القراء لا يألفون وصف الأشخاص أو المناظر الطبيعية، لا تبعدها عن نظرك أبدًا، بل قارن الأنواع المألوفة منها بغير المألوفة وصفها“.
٨- ماهي نقاط الضعف في شخصيات روايتك؟ ”حتى يتعرف القرّاء على البطل، لابد وأن يتعرفوا على مواطن الضعف بداخله، ومواطن الفضيلة، بالنسبة للأخيرة فهي أمر محتمل لكن الأولى أمر ضروري للغاية“.
٩- كيف تحصل على الإلهام؟ من الكتب، والناس! ”كان تشيلر على حق تمامًا عندما أدرك أنه لا يمكن لأي عبقري أن يتطور بينما يعيش في وحدة، فعامل الإثارة الخارجي أو الكتاب الجيد وحتى المحادثة هي الوسائل التي تدفعه إلى التأمل والتفكير أكثر من أعوام من العمل وحيدًا.. لابد أن تولد الفكرة في رحم المجتمع، أما العمل عليها والتعبير عنها فيقوم بها المرء في وحدته“. كان تولستوي كثير النقاش مع من حوله في أمور شتى ويحب التأمل فيما تناقش به، انظر كيف استلهم فكرة من رواياته من خلال حديثه مع أحد الضباط ”تحدث معي أحد الضباط كبار السن وسألني: هل أنت من أولئك البائسين (الذين يُرسلون إلى الجبهة في القوقاز ليشتركوا في المعركة هناك)؟ لقد أوحى إلي بفكرة أني لابد وأن أقتبس من برنامج المدفعية وكتبها“.
١٠- احتفظ بدفتر ملاحظات بالقرب منك وابدأ في الكتابة فور أن تأتيك الأفكار ”ماتعهدت بفعله لا تؤجله بحجة شرود الذهن أو الرغبة في الترفيه، بل باشر العمل عليه فورًا حتى ولو بصورة ظاهرية. يمكن للأفكار أن تأتي. على سبيل المثال إن تعهدت بكتابة قاعدة، تناول دفتر الملاحظات واجلس على الطاولة ولا تنهض من مكانك عندما تبدأ الكتابة إلا حينما تنتهي منها“. كذلك يُفيد دفتر الملاحظات في تدوين الأفكار الخاطفة التي تأتيك بعد قفلة الكاتب ”عند كتابة العمل الأدبي كثيرًا ماتتعطل كتابة فكرة جيدة، لذا ما إن تتشكل هذه الفكرة بصعوبة حتى أدونها في اليوميات دون أن أهتم بالموضع الذي سأضعها فيه تحديدًا، فسوف تجد مكانًا لها بنفسها“.
١١- الترجمة هي الوسيلة المثلى للتدريب على الكتابة بأساليب جديدة، فقد كان تولستوي يترجم بشكل مستمر الكثير من الروايات والمقالات مع زوجته إلى الروسية ”كتابة وترجمة نص ما من لغة أجنبية إلى الروسية من أجل تدريب الذاكرة واكتساب الأسلوب، وبعدها سأنخرط في الكتابة عن اليوم الماضي وعن كافة الانطباعات والأفكار التي مررت بها فيه“.
١٢- اُكتب دون أن تهتم بطريقة الكتابة أو شكلها أو صحة الإملاء والأسلوب، المهم أن تكتب أولًا وبعدها يأتي الترتيب والتعديل والحذف ”لابد أن أكتب الحبر لا بالقلم الرصاص دون التفكير في مكان وصحة التعبير عن الأفكار. عندما أعيد الكتابة ثانية سأستبعد كل ما هو زائد، وأضع كل فكرة في مكانها الصحيح. عند الكتابة للمرة الثالثة سأُعيد العمل على دقة التعبيرات، ولابد أيضًا من تجنب التكرار“.
١٣- اكتب بحيث لو تُرجم ما كتبته إلى لغة أخرى سيبدو رائعًا ”لابد وأن أكتب- أي أعبر عن أفكاري- بحيث تكون جيدة في جميع اللغات. هكذا هو الأمر مع الأناجيل ولاتسو وسقراط، بل إن الأناجيل ولاوتسو تبدو أفضل في اللغات الأخرى“.
١٤- إعادة الكتابة: تحدث تولستوي باستمرار في يومياته عن إعادة كتابته لفصول ومقاطع من رواياته، وكأنه يكتب للمرة الأولى: أعدتُ كتابة الفصل الأول سأجبر نفسي على إعادة الكتابة أعدتُ قراءة وتصحيح..
١٥- الإجبار على الكتابة وبذل المجهود: مرة أخرى، يُجبر تولستوي نفسه على الكتابة ”بالأمس وصلني خطاب من والدة جرينيفتش بشأن التربية الدينية للأطفال. لابد أن أكتب عن الموضوع، على الأقل عليّ أن أبذل كافة قواي من أجل ذلك“.
١– القراءة:عندماتقرأفأنتتتفاعلمعالمادةالمكتوبة،ويبذلدماغكالكثيرمنالمجهودليستوعبالمقروءفتتخيلالمشهد،وتفكرفيالكلمات،وقدتسمعالبطلبصوتمعين،وتراهفيغرفةرسمتَصورتهافيمخيلتك.. قدتفكرفيالآراءالتيصاغهاالكاتب،أوتستنكرها،أوتفكرفيمنهجه أو أسلوب كتابتهوكلهذايمنحكالكثيرمنالأفكارالتيستعتريكأثناءقرائتكللكتاب.
٨– الأشخاصوالأشياءمنحولكم: تأملواالأشخاصمنحولكم،فكروا فيشخصياتهم،وانصتواجيدًاإلىمايقولونه. يقولالمصممرويديلكارمنوالذيأشرفعلىحكايةفيلم Up،أنبعضالصفاتفيشخصيةالبطلكارلفيالفيلمكانتمستوحاةمنأبيه. مثل هالطريقة التي يشتاق بها للماضي وبياض شعره وضعفه. يمكنكمكذلكالحصولعلىالإلهاممنردودالناسفيتويتر،الميمز،موقعبنترست،الكثيرمنالحساباتفيانستقرام.. والقائمةتطول.
يقولروبرتستاين (ويُلقببستيفنكنغأدبالأطفال) أنسوقالأفكاريحتويعلى٣أقسام: التجاربالشخصيةالتينمربها،والذاكرة،والخيال! فإذا فكرتكم جيدًا في تجاربكم السابقة، وسرحتم بعيدًا نحو ذكريات الطفولة، وأضفتم الكثير من الخيال فسوف تحصلون على أفكار لاحصر لها.
من الضروري أن تدوّنوا أفكاركم عندما تخطر لكم فورًا في نوتة الجوال، أو في دفتر صغير، فالكتابة تمنع هذه الأفكار من الهروب. قد تحتاجون إليها لاحقًا.
في عام ١٩٣٢-١٩٣٣ وبينما كان هنري ميللر يعمل على كتابة روايته الأولى (مدار السرطان)، ابتكر روتين يومي صارم من أجل أن يحثه على الكتابة. من بين هذا الروتين قائمة بإحدى عشرة قاعدة كتبها لنفسه:
١- اكتب في موضوع واحد حتى تنهيه. ٢- لا تبدأ في كتابة كتب جديدة ولا تضف مواد جديدة إلى روايتك ”الربيع الأسود“. ٣- لا تكن عصبيًا. اشتغل بهدوء، وبمرح وصبر على عملك. ٤- اعمل وفقًا لبرنامج وليس حسب مزاجك. وتوقف عند الوقت المحدد. ٥- عندما لاتستطيع أن تبدع، بإمكانك أن تعمل. ٦- ابنِ شيئًا صغيرًا كل يوم بدلًا من أن تضيف سمادًا إلى شيء موجود. ٧- فلتكن إنسانًا! قابل الناس، زر أماكنًا، واشرب إذا كنت تشعر بالحاجة إلى ذلك. ٨- لا تكن مثل الحصان الذي يجر أثقالًا. اعمل باستمتاع. ٩- تجاهل البرنامج الذي تتبعه إذا شعرت بالحاجة إلى ذلك. لكن عد إليه في اليوم التالي. ركز. حدد. واستبعد ماتجده غير مناسبًا. ١٠- انسَ أمر الكتب التي تود كتابتها. فكّر فقط في الكتب التي تعمل على كتابتها الآن. ١١- أكتب أولًا وأخيرًا بشكل دائم. فالموسيقى، والرسم، والأصدقاء، والسينما كلها أمور تأتي بعد الكتابة.
تكررتكلمةالبرنامجفيالوصايابالأعلى،فماهوبرنامجهنريميللر؟ البرنامج هو مخطط يومي من أجل الإنتاجية والإلهام يشمل روتينه الكتابي والصحة العقلية:
فيالصباح:
إذا كنت في مزاج سيء، دوّن الملاحظات وقسّمها حتى تشجعك على الكتابة.
إذا كنت في مزاج جيد، فاكتب.بعد الظهر:
اعمل على الجزئية الحالية، ثم الجزئية التي تليها بدقة. لا تسمح بأي تداخلات بينهما أو أي ملهيات عنهما. اكتب لتنتهي من جزئية واحدة في وقت واحد وبشكل دائم.في المساء:
قابل أصدقائك. واقرأ في المقاهي.
اكتشف أمورًا غير مألوفة، على قدمك وقت البلل، وعلى الدراجة وقت الجفاف.
اكتب إذا كنت في مزاج يسمح بالكتابة، لكن بشكل بسيط.
ارسم إذا كنت مرهقًا أو في وقت فراغك
دوّن ملاحظاتك. خطط. ارسم الجداول. صحّح المخطوطات التي لديك.ملحوظة: احرص أن يكون لديك أثناء النهار متسع من الوقت يكفي لزيارة المتاحف أو للرسم أو لركوب الدراجة. ارسم في المقاهي والقطارات والشوارع. ابتعد عن مشاهدة الأفلام! اذهب إلى المكتبة العامة من أجل المراجع مرة أسبوعيًا.
في الكتابة، تنصح الروائية مارقريت آتوود الكاتب المبتدئ بالتخلص من الصفحات الزائدة والمملة أو الكتابات التي لافائدة منها بقولها: ”The wastepaper basket is your friend. It was invented for you by God” ”سلة المهملات صديقتك. لقد خلقها الرب من أجلك“
في العاشرة من عمري، زارنا خالي الأكبر المدينة قادمًا من جدة. بعد مدة ليست بطويلة من دخوله المنزل، قدّمت إليه ال”اوتوقراف” الخاص بي من أجل أن يدوّن عليه شيئًا من مشاعره الإيجابية نحوي. كنت أطمح إلى تجميع أكبر عدد من الأشخاص ليكتبوا لي حتى لا يُبقوا لي صفحة فاستطيع بذلك التفاخر أمام صديقاتي عن العدد الكبير من الناس الذين أعرفهم، تمامًا مثل عدد الأصدقاء في فيسبوك.
”هذا كتابك الذي كتبتيه؟“ قال خالي ممازحًا، أو افترضت أنه كان كذلك.
”لا! هذا اوتوقراف.. تعرف اش يعني اوتوقراف؟“ وشرحت له ماذا يعني، وماذا يجب عليه أن يفعل.
سطّر بضعة كلمات في دفتري الصغير، ثم قال ”لو كتبتِ كتابًا فإنني سأنشره لكِ“
لمعت عيناي. كانت الفكرة تبدو جديدة وجذابة .. أنا أكتب كتابًا؟
جلستُ على طاولتي الحمراء أعصف ذهني، وأفكر ما الذي يمكنني كتابته؟ كل كاتب هو خبير في موضوع كتابه. في أي مجال تقع خبرتي؟
فكرتُ قليلًا، واستنتجتُ أنني خبيرة في طرح ”الفوازير“ على صديقاتي. فليكن كتابًا ممتعًا عن الألغاز.
بدأت بكتابة الألغاز التي أعرفها وحفظتها من مجلات ميكي، لكنها نفدت بسرعة. احتجت إلى فوازير كثيرة. التجأت إلى كتب سين جيم لشريف العلمي من مكتبة والدي، لكنها كانت ألغازًا علمية صعبة. ففكرت في النكت، نعم .. ستكون إضافة مميزة! هكذا اكتملت فكرة الكتاب، صفحة للفزورة والحل بالخلف، وبعد كل فزورة استراحة للقارئ -المُرهق الذي فكّر بالحل- مع نكتة. قصصتُ الأوراق من الدفاتر وشرعتُ في كتابة كتابي الذي انتهى ب١٠٠ صفحة تقريبًا. كانت كل صفحة مذيّلة برقم. كنت أكتب كتابي وأنا أتخيل أنه سيساعد الكثير من الناس في تقضية أوقات فراغهم بالفوازير. بكم سيكون سعره؟ لمعت عيناي بشكل أكبر. لكن المال لايهمني فهذا كتابي الأول، ومشواري مازال طويلا. انتهيت من الكتابة، وزيّنت الكتاب بالألوان التي ستُبهج خالي والناشر. للأسف، لم يعد هناك أي دبابيس في الدبّاسة من أجل تثبيت الأوراق، فعمدتُ إلى ثنيها من الطرف الأعلى.
أخذت الكتاب معي في إجازة الصيف إلى جدة وحرصتُ على بقاء الأوراق مرتبة برقم الصفحات في شنطتي. ومن أجل منع المتطفلين من سرقة الأفكار أو إبداء آرائهم السخيفة، وضعته فوق الدولاب. جاء خالي أخيرًا وجريت إلى الدولاب وسلّمته كتابي. ما الذي حصل؟ تصفّح خالي الكتاب وأبدى إعجابه، لم يقل شيئًا بخصوص النشر.
مرت أيام عديدة وكتابي مازال فوق الدولاب. نسيته تمامًا. جاء اليوم الذي قررت فيه أمي تنظيف الغرفة بشكل عميق. ارتفع صوت أمي بغضب ”ماهذه الأوراق المتناثرة فوق الدولاب؟“
يبدو أن هواء التكييف قد نثر الأوراق.
وجدت أمي اسمي كمؤلفة على الأوراق. يبدو أنني لم أرغب في أن يسرق شخص ما فوازيري.
سألتني أمي بسرعة ” يبدو أنها تعود إليكِ .. هل مازلتِ تحتاجينها؟“
من المستحيل لامرأة أن تقول شعرًا كأشعار المتنبي في زمان المتنبي.
هذا اقتباس لفرجينيا وولف، حُرّف بعض الشيء لغاية أرجو أن أبلغها بنهاية هذه التدوينة. فمن هن أخوات المتنبي، وموزارت، وشكسبير؟ إذا نظرنا إلى شعر العرب-وهو الأمر الذي نبغوا فيه وعدّه الجرجاني علمٌ من علومهم- في جاهليتهم وبعد الإسلام، نجد أن أكثر الشعراء هم من الرجال. ولو سألت ألف شخص عن أشعر العرب فسوف تكون إجابته حتمًا هي المتنبي، أو أحد شعراء المعلقات، أو المعري، أو ابن زيدون أو غيرهم، وأكاد أجزم أنك لن تجد اسم أي شاعرة بين هذه الأجوبة! ولكن لِم لم تبرع أي شاعرة عربية في العلم الذي نبغ فيه العرب؟ هل كان الشعر مختص بالرجال دون النساء؟
كانت العرب تفتتح قصائدها بالبكاء على الأطلال في تذكر المحبوبة، ثم تعرج إلى الغزل كمعلقة امرئ القيس، أو إلى الحماسة كمعلقة عنترة، أو إلى وصف الناقة كمعلقة لبيد بن ربيعة.. هل كان باستطاعة أي امرأة عربية في العصر الجاهلي أن تفتتح قصيدتها بذكر المحبوب؟ لنلقي النظر على الأبيات والقصائد القليلة للشاعرات العربيات، كانت الشاعرة الجاهلية الأشهر هي الخنساء، وكان موضوع شعرها الرئيسي- وبسببه اُشتهرت- يدور حول رثاء أخيها صخر. وبالنظر إلى مواضيع أشعارهن، نجد أن الغالبية العظمى منهن قد أنشدن الشعر في الرثاء كآمنة بنت عتيبة، وأم الأغر بنت ربيعة التغلبية، وأم الصريح الكندية، وأمامة العدوية، وأميمة العبشمية، والفارعة الشيبانية، والخرنق بنت بدر.. وبعضهن أنشدن في الهجاء في وقت الحرب، كدخنتوس بنت لقيط (وهي التي قيل فيها المثل الشهير الصيف ضيّعت اللبن).
بل إن الشاعرات اللواتي اُشتهرن في الغزل أغلبهن كن جاريات- واللاتي كانت لهن حرية أكبر بكثير من الحرائر- كالخيزران بنت عطاء وعريب المأمونية، أو أندلسيات كولّادة ابنة الخليفة المستكفي والتي كانت أمها جارية إسبانية. فلو تخيّلنا أن للمتنبي- ماليء الدنيا وشاغل الناس- أخت لها نفس القدر من موهبته الشعرية، فإنها حتمًا لا تستطيع أن تسافر من بلاط إلى آخر لمدح الخليفة كما فعل أخوها مع سيف الدولة الحمداني وبدر بن عمّار وكافور الإخشيدي، ولا أن تتغزل في حبيبها، ولا أن تبرع في المديح والفخر بنفسها كما فعل المتنبي حيث امتدح نفسه وحقّر الآخرين! وإن كان للمعري أخت لها المقدار نفسه من الموهبة الشعرية والفلسفة ذاتها، فلا تستطيع أن تُعلن عن شكوكها كما فعل وإن كانت رهينة المحبسيْن “محبس المنزل، ومحبس غربتها بين الناس” وتقوم بتأليف عمل ضخم كاللزوميات تلتزم فيه نظام القوافي وترعى احتياجات زوجها وأطفالها.
وفي العصر الذهبي لمصر في القرن الماضي، نجد أن هناك قامات أدبية كثيرة برزت مثل طه حسين، الرافعي، المازني، العقاد، زكي مبارك، المنفلوطي وغيرهم ولكن لم تبرز من النساء سوى قلة كسهير قلماوي وعائشة بنت عبدالرحمن والتي كانت تكتب باسم مستعار (بنت الشاطئ) خوفًا من إثارة حفيظة والدها بسبب التقاليد، إلى أن تزوجّت أستاذها أمين خولي والذي كانت معه حين أتمّت رسالة الدكتوراة.
ونجد بين هذه الأسماء الرجالية الكبيرة اسم مي زيادة الأديبة الفلسطينية-اللبنانية، والتي يبدو أن مجتمعها كان أكثر تفتحًا في نظرته إلى النساء. ومي كانت تجيد التحدث بأكثر من٧ لغات، ولها صالون أدبي شهير يُعقد كل يوم ثلاثاء، ويحضره كبار الأدباء، بل وأغرم بها الكثير منهم دون أن تبادلهم الغرام لأن قلبها كان مع اللبناني جبران خليل جبران. وعلى الرغم من أن الرافعي قد أحبها- وهو المتزوج- إلا أنه سخط عليها لأنها لم تبادله الحب فدفعته إلى كتابة ٤ مقالات في وحي القلم بعنوان الطائشة، فانظر إلى بعض ماكتب عنها!
“فتاة تعيش وتموت وما ولدت للأمة إلا مقالات؟” .. “المرأة الفلاحة في حجرها طفل قذر هي خير للأمة من أكبر أديبة تُخرج ذرية من الكتب!”.. “إن الشيطان لو خُيّر في غير شكله لما اختار إلا أن يكون امرأة حرة متعلمة خيالية كاسدة لا تجد الزوج!”
على العموم يبدو أن مي زيادة كانت لامنتمية حقًا، وقد جُنّت في آخر أيامها فدخلت العصفورية، وبعدها “انطفأت مي”.
وإذا رحلنا إلى أوروبا في عصر التنوير، نجد النمساوي موزارت، وهو من أشهر موسيقي العالم، بل إنه من أكثرهم تأثيرًا في الحقبة الكلاسيكية للموسيقى في أوروبا. كانت لديه أخت صغيرة “حقيقية بالمناسبة” تُدعى ماريا، وكانت موهوبة مثله تحب الموسيقى والعزف، وكانا يعزفان معًا في فيينا وباريس ومدن أوروبية أخرى في رحلتهما حول أوروبا لعرض موهبتهما أمام الناس، بل إنها تلقت في بعض الأحيان دخلًا أعلى من أخيها. لكنها عندما كبرت أجبرها والداها على التوقف عن العزف لأنها وصلت إلى سن الزواج وليس من اللائق أن تعزف كما يعزف الرجال، بينما سافر أخوها إلى باريس ومدن أخرى واستمر في العزف وأصبح من أشهر موسيقي العالم. انتهت القصة بنمسا تُمجّد ابنها موزارت وتضعه على ورق البنكنوت وتفتخر بمقهى شهير يُعرف باسمه في فيينا، ثم يتأثر به الموسيقار الألماني الشهير بيتهوفن، ولا نعرف شيئًا عن أخته وموسيقاها.
أما في انجلترا، تخبرنا فرجينيا وولف أنه كان “من المستحيل لامرأة أن تكتب مسرحيات شكسبير في وقت شكسبير!” تشرح أكثر فتقول أنه لو كانت هناك أخت لشكسبير موهوبة مثله ولها نفس القدر من ملكة الخيال، فإن أهلها حينئذ لن يرسلوها إلى المدرسة، ولن يعطوها الفرصة لتعلم النحو والصرف وقراءة هوراس وفيرجيل. وإذا قرأت بضع صفحات من كتاب، فإنه سيدخل عليها أبواها ويأمرانها بترتيق الجوارب أو الاهتمام بالقدر على النار، وألا تتسكع وتهدر وقتها عبثا مع الكتب والأوراق. “كانوا في الغالب يقولان ذلك في نبرة صارمة ولكن طيبة، وذلك لأنهم كانوا أناسًا يقدرون ظروف الحياة بالنسبة للنساء حق قدرها ويحبون ابنتهم… وقبل أن تخطو خارج سن المراهقة وجدت نفسها تُخطب سريعًا لابن تاجر الصوف في البلدة، وعندما صرخت واعترضت ضربها أبوها بقسوة.. وبعدها كف أبوها عن لومها وتعنيفها وبدأ يتوسل إليها ألا تجلب إليه العار في مسألة الزواج تلك وألا تجرحه” لكنها هربت! ولم تكن تبلغ سن السابعة عشر بعد، وذهبت إلى المسرح الذي تحبه وقالت لهم أنها تود أن تُمثّل “وضحك منها الرجال! أما مدير المسرح فانفجر مقهقًا وتحدث عن رقص الكلاب وتمثيل النساء وأنه من المستحيل أن تُصبح امرأة ممثلة”.
فمن المستحيل أن يكون في زمان شكسبير امرأة في عبقرية شكسبير “لأن عبقرية شكسبير لم تولد وسط أناس غير متعلمين خاضعين للأعمال الشاقة، بل ولدت في إنجلترا وسط الساكسونين والبريتون، وهي لا تولد اليوم وسط الطبقات العاملة، فكيف كان يتسنى أن تولد وسط النساء!” “وحين نقرأ عن ساحرة غمروها في الماء، أو امرأة تلبستها الشياطين، أو امرأة حكيمة تبيع الأعشاب الطبية.. فإننا فيما أعتقد نكون في أثر روائية مفقودة”.
وهناك الكثير من النساء الأديبات اللاتي تخفين خلف أسماء رجال، مثل مؤلفة “نساء صغيرات” لويزا ألكوت، وماري إيفان والتي عُرفت باسم جورج إليوت، وتشارلوت برونتي مؤلفة “جين إير”، وأختها ايميلي برونتي مؤلفة “مرتفعات ويذرنغ”..
أما في عصرنا هذا، وبعد أن سُمح للنساء بالدراسة أخيرًا، نجد تقريرًا يُفيد بأن البنات هن أكثر تفوقًا دراسيًا من الأولاد في أكثر من ٣٠ دولة، وكذلك الأمر في السعودية. لكن ما الذي يجري بعد إنهاء الدراسة فأصحاب المناصب الكبرى أكثرهم من الرجال؟ بإمكانكم تخيّل وضع المرأة كأم أو كزوجة أوكابنة تُرضي عائلتها أو حصولها في مجتمعات على مُرتب أقل من الرجل رغم كونهما يحتلان نفس المنصب الوظيفي (ففي الولايات المتحدة تحصل المراة على ٧٧ سنت مقابل كل دولار يحصل عليه الرجل) أو وضعها في مجتمع يرى أن المرأة خُلقت للمنزل.
أريدُ أن أُنهي التدوينة بتعليق على هذه التغريدة: منذ إقامة أول احتفال بجائزة نوبل في عام ١٩٠١، إلى عام ٢٠١٦، لم تحصل النساء على جائزة نوبل سوى ٤٩ مرة فقط! فلنلق نظرة سريعة على حال النساء في الدولة الديمقراطية العظمى،الولايات المتحدة، والتي تعد أكثر دولة حصلت على جائزة نوبل، بمقدار ٣٥٢ فائز من أصل ٥٧٩ جائزة! فكيف كان وضعهن في أرقى مؤسسات التعليم- الجامعات- والتي تنطلق منها البحوث العلمية؟
بدأت جامعة هارفرد – والتي كانت مخصصة للرجال فقط- بقبول النساء لدراسة البكالوريوس بشكل عادل (بعدما كانت تقبل امرأة واحدة من كل ٤ رجال) في عام ١٩٧٧، أي ٤٠ سنة فقط!
جامعة كولومبيا في عام ١٩٨١، جامعة كورنيل في عام ١٩٧٠، برنستون في عام ١٩٦٩، وييل في عام ١٩٦٩!
فإذا كان الرجال لديهم حوالي ١١٥ سنة للحصول على نوبل، فإن النساء – وفي الولايات المتحدة فقط- كانت لديهن فرصة أقل بكثير. فكيف كان وضعهن في الدول الأخرى؟
الفائز الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل مرتين وفي مجالين علميين مختلفين كان امرأة! نعم، فازت ماري كوري البولندية المتزوجة من فرنسي والدارسة في فرنسا -الدولة الأكثر انفتاحًا حينها في تعليم النساء مقارنة بالولايات المتحدة- بجائزة نوبل في الكيمياء أولًا، ثم في الفيزياء!
مع كل الفرص المتاحة، لم يفز أي رجل بجائزتين نوبل في مجالين علميين مختلفين. هذا يُذكرني بمجال التمثيل، والذي سمح بالفرصة للنساء مبكرًا مقارنة بالعلم، فنجد أن أكثر شخص حصل على جائزة الأوسكار في التمثيل هي امرأة، فقد فازت كاثرين هبورن بجائزة الأوسكار ٤ مرات.
امتازت قراءاتي لهذه السنة بوجود مؤلفات عبدالفتاح كيليطو بينها- وهو كاتب مغربي- تعرّفت على كتبه من خلال الصديقة أروى، وكم كنت محظوظة بذلك، فقد التهمت كتبه الواحدة تلو الأخرى!
يقول بورخيس “أن تجد قارئًا جيّدًا أصعب من أن تجد كاتبًا جيّدًا”، وهكذا كان كيليطو في كتبه، فمِن قصص ألف ليلة وليلة وبحثه عن شهريار الذي لم يكن ينام أبدًا -واستنتج من ذلك أن أرقه كان سببًا لجنونه القاتل- إلى مطالعاته لكتب الجاحظ ومقامات الحريري وفلسفة ابن رشد وغيرها والتي ندرك منها أنه بالفعل قارئٌ جيد في التراث العربي.
تأثر بورخيس بقصص التراث العربي كثيرًا كما كيليطو. وكلاهما شُغف بقصص ألف ليلة وليلة منذ الصغر، فنلاحظ أن قائمة بورخيس المفضلة للكتب تحتوي على قصص ألف ليلة وليلة، ونجد أن كيليطو في كتبه يتحدث كثيرًا عن الليالي وقصص شهرزاد، وله كتاب لطيف بعنوان “العين والإبرة” وهو دراسة في قصص ألف ليلة وليلة. أما بورخيس، فلشغفه بقصص الليالي حاول أن يتعلم اللغة العربية في سن السابعة والثمانين، لكنه توفي “وفي نفسه شيء من حكايات شهرزاد“.
يولّي كيليطو نصوص التراث جلّ اهتمامه في مؤلفاته ومقالاته، ويتعجّب من هؤلاء الذين يتعالون على الأدب الكلاسيكي “فللأدب الكلاسيكي شفراته الخاصة، ومجموعة معيّنة من الأعراف. وعلى المرء أن يتعب لكي يقرأه”. ويقرأ كيليطو في نصوص التراث العربي فينتقدها جادّا أو ساخرًا ويعلّق عليها ويمنحنا نظرة نقدية وملاحظات جديدة وممتعة، فهو يؤمن بأن النص يخفي سرًا دفينًا يجب أن يكون قارئه مُرتابًا في نوايا المؤلف. استمتعتُ كثيرًا بملاحظاته هذه ووجدتها لذيذة للغاية! وجعلتني بالطبع متلهفة لقراءة التراث. ندمتُ على أنني لم اقرأ ألف ليلة وليلة كاملة رغم وجودها شامخة في مكتبة أبي وعلى أنني اكتفيت في صغري بمطالعات قصيرة، لكنني جعلتها مع نصوص تراثية أخرى في قائمة الكتب التي أود قراءتها، وآمل أن أكون حينها قارئة من نوع خاص كالمتحرّي البوليسي المُراقب لهذه النصوص كما يفعل كيليطو.
كان بورخيس قارئًا جيّدا بلغات كثيرة، وكيليطو أيضًا يقرأ بالفرنسية ويكتب بها، والطريف أنه يغار على اللغة العربية فيكره أن يتكلم الأجانب بها “تكلم بلساني وإلا فاصمت”، ويسرد قصة أبي زيد السروجي عندما تقدّم هو وابنه إلى القاضي وخاطباه بكلام غير مفهوم فقال لهما “إما أن تبينا، وإلا فبينا” إما أن تتكلما بوضوح وإلا فاغربا عن وجهي.
أودّ إنهاء هذه التدوينة القصيرة بقائمة كتب كيليطو التي أعجبتني كثيرًا وفيها آراءه في نصوص التراث وقصصه والتي ” لو كُتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن اعتبر”:لن تتكلم لغتي، أبو العلاء المعرّي أو متاهات القول، لسان آدم، الأدب والإرتياب، والكتابة والتناسخ. لا يكرر فيها كيليطو نفسه، فإذا أعجبتك هذه المؤلفات تذكّر قول بورخيس والذي يردده كيليطو “ليفخر البعض بكتاباتي، أما أنا فأفتخر بقراءاتي”.