في التربية- جان جاك روسو

أودع جان جاك روسو أطفاله الخمسة في ملجإ للقطاء لأنه ”خاف من التربية“، وقال أن ”هذا التدبير موفق وحكيم وشرعي.. ولم أرَ في سلوكي هذا من سوء قط“، ثم ألّف كتابًا ضخمًا عن التربية، عدّه تولستوي من الكتب العظيمة التي يجب أن تُقرأ!

ولأن الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها،  سنتحدث في هذه التدوينة عن تربية الأطفال قبل المراهقة وفقًا لفلسفة روسو في نقاط مختصرة، والتي جذبت انتباهي. إذ أن روسو قسّم كتابه (إميل) إلى ٥ أقسام: فالقسمان الأول والثاني والثالث يتحدث فيها عن الطفل إميل، أما الرابع فهو عن مرحلة المراهقة، والقسم الخامس والأخير عن صوفيا والتي من المفترض أن تكون زوجة إميل المستقبلية. يجدر الانتباه أن الكتاب كان عن تربية (الولد) والذي سمّاه روسو ب(إميل). 

لكن قبل أن نبدأ كيف بررّ روسو التخلي عن أطفاله وإيداعهم ملجأ اللقطاء؟

في الاعترافات (ص ٤٩٨) قال أنه تعذّر أن يربيهم بنفسه، ومن الأفضل لهم أن يصبحوا عمّالًا ومزارعين من أن يبيتوا أُولي مغامرة وطلاب ثراء!

بالطبع سخر فولتير منه كثيرًا، أما فيكتور هوغو فقد قال على لسان آنجولراس في البؤساء:
”إلزم الصمت أمام جان جاك! لقد أنكر أولاده ولكنه تبنّى الشعب“.

حسنًا هذه أبرز النقاط التي أثارت انتباهي:

المرحلة الأولى من عمر الطفل:
يولد الطفل ضعيفًا لايستطيع تناول الطعام أو الشراب، ويحتاج إلى شخص ما ليجعله قويًا معتمدًا على نفسه وإذا صار قويًا يُصبح خيّرًا، لأن الضعف هو الشر. والتربية تبدأ عند الولادة، فهو يتعلم قبل الكلام والفهم.

  • التخلي عن المهاد أو الكوفلة، أو القماط: ”يبقى التعس مصلوبًا هكذا“ فلا يصعد الدم إلى الرأس، فكيف يبقى كذلك لساعات طويلة؟ يقول روسو ”إذا ما خرج الولد فلا تسمحوا بحصره في الكمة ولا اللفائف ولا قمط، بل حزائم متدلية واسعة“
    ويقول أن نضعه في مهد كبير بحيث يستطيع أن يهتز بسهولة وينشر أعضاءه الصغيرة ويبسطها.
  • الرضاعة الطبيعية: حتى تستيقظ المشاعر الطبيعية في القلوب. فقد سخر من الأمهات اللواتي لا يُرضعن أولادهن. أما إذا وُجدت مرضعة فمن الأفضل أن تكون سليمة المزاج. وغذاء المُرضع أن تتناول الكثير من الطعام النباتي والخضروات المسلوقة وتتجنب القلي. الأم هي التي تُرضع الطفل وليس امرأة أخرى إذ أنه لا توجد أي صلة حميمة تجمعها بالطفل مثل الأم. أفضل مربي هو الأم وأفضل معلم هو الأب.
  • اتحاد الأبوين مع بعضهما: فالضجيج الذي يُصدره الأطفال هو أمر مستحب، ويقرب الزوجين من بعضهما ويجعل أحدهما أكثر قيمة لدى الآخر، ويشد الرابطة الزوجية بينهما. 
  • أهمية الهواء الطبيعي: يرى روسو أن يُرسل الطفل إلى الأرياف لاستنشاق الهواء الصالح (لاحظوا أن روسو سويسري 🙂 )
  • الامتناع عن الترف: من أجل إعداد الطفل للألم يُغسل بالماء البارد والجامد في فصل الصيف أو الشتاء.
  • اختيار المربي قبل أن يولد الطفل.
  • كونوا ضد العادة أو الروتين: العادة الوحيدة التي يجب أن تُسمح لأي طفل هو ألا تكون له أي عادة! فعلى سبيل المثال لا يُحمل طوال الوقت، أو يوضع له ساعات للطعام أو النوم، أو ينام لوحده أو مع أمه طوال الوقت، 
  • الحرص على أن يرى الأشياء الجديدة: فمن الجيد أن يرى الأشياء الجديدة وكذلك الأمور البشعة والكريهة بالتدريج حتى يألفها. على سبيل المثال يخاف الأطفال من الأقنعة، فيرى روسو أن الطفل يجب أن يعتاد عليها بالتدريج بأن يرى في البداية قناعًا جميلًا ثم يضعه المربي على وجهه أمامه ويضحك ثم يُعوده بالتدريج على الأقنعة الكريهة. وينطبق الأمر على الأصوات العالية مثل الرعد. 
  • انتبهوا من طلبات الطفل: فسوف تنشأ فكرة التسلط والسيطرة إذا لم ينتبه المربي لذلك. ودموع الأطفال – إن كانت في غير مرض أو حاجة- هي دموع عناد وعادة سببها في البداية الأمهات والآباء. لأنهم لم يرضوا أن يُزعجوا في البداية بصراخ الطفل فيُسكتوه بما يريد فورًا. فالوسيلة لذلك هي التغافل حتى وإن أصروا بالبكاء، فكونوا أكثر عنادًا منهم حتى تفتر همتهم.
  • الكلمات الأولى للطفل يجب أن تكون واضحة ومكررة وتدل على أشياء محسوسة تُعرض على الطفل. يقول روسو أن اللثغة قل أو تندر ماتكون عند أطفال القرى لأنهم يتكلمون بوضوح من غير همهمة، ولا يُلقنون الكلام فهم يقولون الكلام الذي يرغبون في قوله لا الذي يرغب فيه غيرهم. لايُستعجل الطفل على الكلام وكن صبورًا معه.

المرحلة الثانية من عمر الطفل: 

  • لا تمنع الطفل من إيذاء نفسه أثناء اللعب والاكتشاف: فمن الصعب أن يكبر من غير أن يعرف الألم. التعليم من العالم الحقيقي أكثر من الكتب.
  • من المفترض أن يقل بكاؤه: إذ أنهم يصبحون أكثر قوة ويقل التجاؤهم إلى الآخرين، ويعرفون الكلام الذي يحل محل البكاء. 
  • تجنب الترف: فالإنسان ضعيف، وعندما تستجاب احتياجاته يزداد ضعفًا. والشقاء لا يقوم على الحرمان من الأشياء، بل في الاحتياجات التي يشعر الإنسان أنه يحتاجها. ”ولا تعطوه ما يرغب فيه لأنه طلبه، بل لاحتياجه إليه“.
  • حرية الحركة والصراخ: يجب أن يصرخ الأطفال ويقفزوا ويركضوا متى شاءوا من أجل تقوية بنيتهم الجسدية. 
  • تجنبوا الإفراط في الشدة والتساهل: فتركهم يتألمون يعرض حياتهم للخطر ويجعلهم تعساء، وبذل الجهد الكبير من أجل حمايتهم من كل سوء يُعدهم لأعظم المصائب. فالذي لايعرف الألم لا يعرف حنان الإنسان ولا حلاوة الرحمة. 
  • هل تريد أن تجعل ابنك تعيسًا؟ عوّده نيل كل شيء! إذا تعوّد الطفل أن يرى كل شيء ينثني أمامه فسيندهش عند دخول العالم الحقيقي عندما يقاومه كل شيء وسيشعر أنهم مسحوق بأثقال هذا العالم الذي كان يظن أنه يتحرك عندما يشاء!
    لذلك لاتعطِ ابنك شيئًا لأنه يريده، بل لأنه يحتاج إليه.
  • سياسة المنع والعطاء: وماتمنحوه إياه امنحوه عند أول كلمة منه وبلا توسل ولا شروط، أما إذا قلت لا فلا يهزك أي رجاء. فالتربية السيئة تبدأ عندما يتمرجح الطفل بين عزيمتك وعزيمته.
  • لا للعقوبات: لأنه لا يعرف الفعل الخطأ الذي فعله. فكلما ضيقت على الطفل، سيكون أكثر طيشًا عندما تغيب عنه. ”لاتنهروه مطلقًا، ولا تُسمعوه كلمة تأنيب“. ودستور الطاعة هو الذي يؤدي إلى الكذب. 
  • إذا ضرب أحدًا فدعوا المعتدي عليه يرد الضربات مع الربا حتى لا يعود إلى ذلك أبدًا. ولو كان ذلك الشخص مساوي له أو دونه مثل الخادم. 
  • الطبيعة أكبر معلم: التعليم من العالم الحقيقي أكثر من الكتب، ويتلقى الطفل دروسه من الطبيعة لا من الناس.
  • الكذب عند الأطفال غير طبيعي، ولكن دستور الطاعة هو ما يجعل الطفل يكذب. فاحترز من اتهام الطفل بقول ”أأنت فعلت هذا؟“ حتى لايتهرب من الإقرار بالفعل ويكذب.
  • اللعب والحركة ضروريان للغاية، ويجب أن يُعطى الطفل الحرية لذلك.
  • مطالعة الكتب آفة! فيجب أن لايطالع الطفل الكتاب حتى يبلغ ال١٢ من العمر ماعدا استثناء رواية (روبنسون كروزو) لأنها أفضل رسالة في الطبيعة.
  • الكفاية: يجب أن يتعلم الطفل كيف يكفي نفسه بنفسه، ولا يلجأ للآخرين. و أن يحمي نفسه بنفسه: يجب تعليمه كيف يتلقى ضربات القدر، وكيف يتجاوز الأمور العسيرة، “والعيش في جليد ايسلندا وعلى صخرة مالطا المحترقة”.
  • الرياضة ضرورية. يجب أن تُقوى عضلاته من أجل تقوية روحه، وأن يتعوّد الخشونة والألم.
  • النوم الكافي في الليل أمر ضروري. لكن يجب أن يعتاد الطفل النوم في أي فراش. 
  • علموه السباحة، والركض حافيًا في الصباح وجميع الفصول وفي داخل المنزل وخارجه (ابعدوا عنه الخطر مثل الزجاج)، حتى تشحذ حاسة اللمس ويجعلها أكثر دقة ولطافة.
  • من الأفضل أن يكون الغذاء نباتيًا خاليًا من اللحوم.
  • لا تتعجلوا في تعليم الطفل الخط لأنه يتطلب انتباه شاق، وعلّموه ترديد الموسيقى البسيطة وتأليفها.

ماهي النقاط التي أثارت اهتمامكم؟

تجارب ومباهج

Beatriz Gutierrez

كيف حالكم يا أصدقاء وكيف شهر رمضان معكم؟

هذه التدوينة الخفيفة هي من سلسلة تجارب والتي أعرفكم فيها على بعض تجاربي في الأسابيع الماضية في أمور شتى كقراءة الكتب، واستخدام برامج الآيفون، ومشاهدة البرامج والأفلام والمسلسلات، وشراء المنتجات عن طريق الإنترنت وغيرها من التجارب والمباهج الصغيرة.

مسلسلات

Better Call Saul:

كنت من معجبي بريكنق باد، ولكني ما إن شاهدت هذا المسلسل الرائع حتى مالت الكفة له! هنا تدوينة جميلة لإحسان بعنوان (في عشق الضوء، ما الذي يجعل مسلسل Better Call Saul مختلفًا؟)  تصف لكم بعضًا من إعجابي بهذا المسلسل.

 Attack on Titan:
انمي عظيم جدًا ويُسبب الإدمان. ندمت أنني لم أشاهد هذا المسلسل منذ بداية عرضه لأكن مع المنتظرين والمنتظرات للحلقات. كثيرًا ما اعتقدت أن المؤلف قد فكّر في تفاصيل الحلقات كلها حتى الأخيرة منذ الحلقة الأولى. بالمناسبة، قرأت مانجا الجزء الأخير 🙂 

رواية البؤساء:

أرجوكم اقرأوا البؤساء!!

لو وُجدت رواية واحدة ستقرؤوها في حياتكم فلتكن البؤساء! الرواية عظيمة جدًا وأعتقد بأنها أفضل رواية قد قرأتها في حياتي،  مبالغة؟ قلتُ لمن حولي أنه لو أراد الله أن أحيا حتى أبلغ من العمر ٩٠ عامًا فاقرأ خلال هذه السنوات الطويلة روايات كثيرة فأنا جد واثقة من أنني لن اقرأ رواية مثل البؤساء!

البؤساء هي الرواية والبقية قصصٌ وحكايات! عالم سحري ستأسف لخروجك منه عند انتهاء الرواية. قرأتُ الرواية في طفولتي ولكن بترجمة مقصوصة، وشاهدت المسلسل الأخير الذي أنتجته بي بي سي، أي أنني أعرف الحكاية، ومع ذلك عندما قرأتها- بترجمة منير بعلبكي الكاملة- كانت عظيمة. أنوي قراءتها مستقبلًا بترجمة زياد العودة إذا انتهى من ترجمة الأجزاء كاملة ، وكذلك بترجمة أنطوان مشاطي من دار نظير عبود.

كتاب (على مقهى الوجودية):

هذا كتاب ممتع حقًا، يتحدث بشكل أساسي عن ٣ شخصيات بارزة في الوجودية وهم جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار وصديقهما ريموند آرون يلتقون في مقهى في باريس وتنشأ من حواراتهم حركة الوجودية. الكتاب يسرد تفاصيل الوجودية وأصحابها بشكل قصصي ممتع. أحببت أسلوب الكاتبة للغاية!

أسواق المعيقلية:

زرتُ أسواق المعيقلية مع أمي لأول مرة وكانت تجربة شتوية جميلة إذ كان الجو رائعًا يصلح للمشي. اشتريت من هناك العود والبخور وبعض العطور القديمة التي كانت تستخدمها جدتي رحمها الله 

ثم أنهينا رحلة التسوق بقهوة من إكسير البن.

-جبنة فيتا بالطماطم: في الأيام العادية، أتناول على وجبة الفطور جبنة الفيتا مع زيت الزيتون وأرش عليها بهارات من ايهرب لتكون وجبة فطور لذيذة مع الشاي والخبز الساخن. لذلك عندما شاهدت ترند جبنة الفيتا بالطماطم مع الباستا أعجبتني الفكرة لأن تكون تغميسة مع الخبز. لذلك طبقّت الوصفة- بطريقتي- وأضفت إليها الطماطم وفصوص الثوم- فقط بدون الباستا- وأدخلتها الفرن، وكانت تغميسة لذيذة.

تجارب ومباهج أخرى:

-ورشات عن صناعة المحتوى من خاليديا وأماني أبو داوود في منصة شرفة.
-حلقة خلود عولقي مع زوجها في بودكاست سوالف بزنس
-ورشة هيفاء القحطاني عن التعلم الذاتي في زوم.
-شمعة من Bolangerie Jar من أنثروبولوجي برائحة whipped cream & pear
-أجندة يومية Alice من مولسكن Moleskine وتقويم حائطي بالتاريخين الهجري والميلادي من مجموعة الحمام والورد من سين.
– بن مكسيكو (إيحاء الشوكولاتة، اللوز) من كفّة.
-مانجو الزبدة من مانجو جيزان:

نراكم في تدوينة قادمة، ولاتنسوا أن تطلعوا على تدوينات أخرى من هذه السلسلة في المدونة.
تجارب ومباهج نسخة نوفمبر
تجارب ومباهج نسخة أغسطس

فن عدم القراءة – شوبنهاور

Gürbüz Doğan Ekşioğlu

إن الجهل ليحط من شأن الرجل إذا كان غنيًا فقط، أما الرجل الفقير المقهور بفقره وبتعاسته فإن عمله يحل محل العلم ويشغل أفكاره. لكن الأثرياء الجاهلون، فهم يعيشون من أجل متعتهم، ويشبهون بذلك الحيوانات الذين نراهم بشكل يومي. يجب علينا أن نوبخهم لأنهم لم يستفيدوا من فراغهم وثروتهم والتي كان بإمكانها أن تضيف عليهم أكبر قيمة ممكنة. 

عندما نقرأ، فإن هناك شخص ما يفكر لنا. لا نفعل شيئًا سوى أن نكرر عملية التفكير الخاصة به. هذا يشبه الطالب الذي يتعلم الكتابة فيضع قلمه فوق الخطوط التي وضعها له المعلم. أثناء القراءة، تؤخذ منا عملية التفكير، وهذا مانلاحظه أننا عندما نرغب في الهروب من الأفكار نهرع إلى القراءة. 

عندما نقرأ تصبح أذهاننا ملعبًا لأفكار الآخرين، وعندما تغادر أفكارهم الملعب فما الذي يبقى؟

النتيجة هي أن الذي يقرأ كثيرًا طوال اليوم ويقطع ذلك بالترفيه عن نفسه بهوايات مجردة من الأفكار، سيخسر بشكل تدريجي قدرته على التفكير لنفسه. وهذا مثل الشخص الذي يركب العربة بشكل دائم وينسى كيف يمشي. هذه هي المشكلة مع الكثير من العلماء، لقد قرأوا إلى أن جعلوا من أنفسهم أغبياء.

إن القراءة المتواصلة هي معيقة للذهن أكثر من العمل اليدوي، لأننا في العمل اليدوي نستطيع أن نسرح بأفكارنا. القراءة المتواصلة تشبه الزنبرك الذي يخسر مرونته بسبب ضغط جسم غريب عليه، وهذا ينطبق على العقل الذي تضغط عليه أفكار الآخرين. وتُشبه أيضًا المعدة التي نملأها بالطعام الكثير الذي يؤذي الجسد، وهذا بالضبط مانفعله عندما نحشر العقل بالكثير من الغذاء العقلي.

إذا قرأنا كثيرًا فإننا سنترك القليل من الأثر على أذهاننا بما قرأناه مسبقًا. ستصبح أذهاننا مثل السبورة التي كتب عليها أشخاص كثيرون الواحد تلو الآخر. وبالتالي لانستطيع أن نفكر مليًا في ما قرأناه، لأن الطعام لايغذينا بمجرد تناوله ولكن فقط إذا هضمه الجسم. إذا قرأنا بدون أن نفكر جليًا بعدها عما قرأناه، سيضيع حتمًا. 

بشكل عام، فإن التغذية العقلية مثل الجسدية، يُهضم من الغذاء خُمسه أما الباقي فيضيع من خلال التبخر والتنفس والخ. بالإضافة إلى كل هذا، فإن الأفكار التي تُلخّص على الورق لا تعدو أكثر من مجرد آثار أقدام لشخص على الرمل، نستطيع أن نرى الطريق من خلال هذه الآثار لكن من أجل أن نرى ما الذي شاهده الشخص، يجب أن نستخدم أعيننا. 

كما تحافظ الأرض بين طبقاتها على الكائنات الحية في العصور الماضية، كذلك تحافظ أرفف المكتبات على أخطاء العصور الماضية وكذلك على شروحها. فمثل الكائنات الحية، كانت هذه الكتب حية في أيامها وقد أشغلت الناس في زمانهم، لكنها الآن متحجرة ولا يهتم بها إلا علماء الحفريات.

طبقًا لهيرودتس، فإن زركسيس|خشايارشا الأول بكى عند رؤيته لحشد جيوشه العظيم، لأنه فكّر أن كل هؤلاء، الآلاف منهم، لن يبقوا على قيد الحياة بعد مئة سنة. لكن من سيمتنع عن البكاء أيضًا عند رؤية القائمة الجديدة لدار لايبيزيغ للنشر عندما يفكر أن كل هذه الكتب لن تصبح حية بعد ١٠ أعوام؟

إن الكتابات مثل الحياة، كلما استدرنا صادفنا رعاعًا معوقًا من البشر نجدهم في كل الحشود، يملأون ويدنسون كل شيء، مثل الذباب في الصيف. ولذلك نجد عددًا كبيرًا من الكتب السيئة، كالأعشاب الضارة التي تحرم سنابل القمح من الغذاء. إن هذه الكتب تُضيّع كل الوقت والمال وانتباه العامة بادعائها حق الانتماء إلى الكتب الجيدة، لأنها كُتبت من أجل المال أو الحصول على المناصب. لذلك فهي ليست غير مفيدة فقط، بل مؤذية بشكل جاد. حوالي ٩ أعشار الكتب الموجودة في زماننا ليس لديها أي هدف غير استخراج المال من الجيوب. إن كل من المؤلف، والناشر، والناقد قد تآمروا بشكل جيد على ذلك. 

إن فن عدم القراءة هو فن مهم للغاية. فهو مبني على تجاهلنا لما يُشغل الجماهير في أي وقت، مثل الكتب في الأمور السياسية، أو المنشورات الثقافية، والروايات، والقصائد، والتي تُحدث ضجة ويصبح لها العديد من الإصدارات في السنوات الأولى والأخيرة من حياتها. وعلى العكس، فإننا يجب أن نبقي في أذهاننا أن أي شخص يكتب للحمقى سيجد دائمًا جمهورًا كبيرًا، وأننا يجب أن نكرس وقتنا الضئيل من أجل قراءة الأعمال العظيمة لكل الشعوب وفي كل الأزمنة.. هذه الأعمال فقط هي التي تُعلم وتوجه. .. إن الكتب الدخيلة هي سم فكري يدمر العقل.

هناك الكثير من الكتب التي أُلفت عن الأشخاص العظماء ويقرأها العامة، لكنهم لا يقرأون أعمالهم. لأنهم يقرأون فقط ماهو جديد ولأن الطيور على أشكالها تقع تجد أن كل هذا الهذيان هو أكثر قبولًا وإعجابًا من أفكار العقول العظيمة.

إنني ممتن للقدر الذي قدّم لي في شبابي الحكمة التي قالها ”أوغست فلهلم شليجل“ والتي أصبحت دليلي:

اقرأ للأقدمين بحذر، العظماء منهم والحقيقيون

لأن أغلب مايقوله المعاصرون عنهم ليس حقيقيًا 

أوه، كم تتشابه العقول مع بعضها البعض! كلها مصنوعة من نفس القالب! نفس الخواطر، وليس شيء آخر مختلف، تتوارد على كل واحد منهم في نفس الموقف! فضلًا عن ذلك، نحن نفهم مقاصدهم وأهدافهم الخسيسة. تُقرأ أعمالهم غير القيمة من قبل جمهور أحمق، أما أعمال العقول العظيمة فتُنحى جانبًا على أرفف المكتبات.

إن السلوك الأحمق للجماهير لهو مذهل، لأنه يترك أعمال العقول النبيلة والنادرة في كل فروع المعرفة من كل الدول والعصور غير مقروءة، وذلك من أجل قراءة خربشات عقول متشابهة والتي تظهر بشكل يومي، ومثل الذباب، تفقس سنويًا في أسراب. كل هذا يحدث بسبب أنها جديدة وطازجة من المطبعة. يجب أن نتجاهل هذا الإنتاج ونعامله بازدراء منذ ولادته لأنه سيكون كذلك بعد مضي بضعة أعوام. وبعد مرور الوقت سيغدو موضوعًا للضحك على الأجيال القديمة وتفاهاتها. 

في كل الأزمان، هناك نوعين من الأدب والذي يُنتج باندماج مع بعضه ولكن بشكل مستقل، هناك نوع حقيقي ونوع ظاهري: 

١-النوع الحقيقي ينمو إلى أن يُدرج تحت الأدب الدائم، والذي يُطور من قبل هؤلاء الذين ”يعيشون من أجل” التعلم أو الشعر، فهو ينمو بشكل جدي وهاديء لكن ببطء شديد، فأوروبا بالكاد تنتج كل قرن درزينة من الأعمال القابلة للعيش.

٢- أما النوع الآخر من الأدب فهو الذي يُطور من قبل هؤلاء الذين ”يقتاتون من“ التعلم أو الشعر. فهذا النوع يعدو سريًعا ويتميز بالصخب، فنرى سنويًا في الأسواق الآلاف من الكتب. لكن بعد سنوات قليلة، سيسأل شخص ما أين هذه الأعمال وكيف أصبحت بعد شهرتها والتي كانت صاخبة وغير ناضجة. نستطيع أن نصف هذه النوع الأخير الأدب الجارف أما الأول فبالأدب الباقي.

إن شراء الكتب لهو أمر جيد إذا استطعنا أن نشتري الوقت لقراءتها. عندما نشتري الكتب يجعلنا نشعر بشكل خاطيء بأننا امتلكنا محتواها.

إذا توقعت أن يتذكر الشخص كل ما قرأه فهذا يعني أنك تتوقع منه أيضًا أن يحمل في جسمه كل الطعام الذي تناوله. لأنه بالطعام قد عاش بجسده، أما بالقراءة فقد عاش بعقله وهكذا أصبح الشخص الذي هو عليه الآن. لكن الجسم سيندمج مع ماهو متجانس معه، وهكذا سيتذكر كل شخص الأشياء التي تستهويه وتناسب نظام أفكاره ومقاصده.

”إن التكرار هو المصدر الرئيسي للتعلم“. 

كل كتاب مهم يجب أن يُقرأ مرتين لأن المواضيع التي يتناولها ستكون مفهومة بشكل أفضل في القراءة الثانية، وعندما نعلم نهايات الكتاب سنفهم جيدًا بداياته. كذلك فإن مزاجنا في القراءة الثانية سيكون مختلفًا عن القراءة الأولى. وهكذا سيختلف انطباعنا عن الكتاب عن المرة السابقة وكأننا ننظر إلى قطعة ما تحت ضوء مختلف.

إن الأعمال هي خلاصة العقل، لذلك إذا كان المرء يملك عقلًا عظيمًا فإن أعماله ستكون أكثر قيمة من مصاحبته. حتى كتابات المرء ذو العقل المتواضع قد تكون ممتعة ومفيدة وتستحق القراءة، لأنها خلاصة عقله، نتيجة وثمرة كل أفكاره ودراساته، لكن مصاحبته قد لاترضينا. لذلك نستطيع قراءة كتب هؤلاء الذين لا تُمتعنا مرافقتهم، أما ثقافات العقول العظيمة فتساعدنا في إيجاد المتعة في الكتب وليس لدى الناس..

لا يوجد شيء يبعث العقل كما تفعل الكلاسيكيات القديمة. فحالما يقرأ المرء واحدة منها ولو لنصف ساعة، سيشعر بالإنتعاش وبالراحة وبالنقاء وبالعظمة والقوة، وكأنه يستجم عند جدول جبلي. هل يعزو هذا لكمال اللغات القديمة؟ أم إلى عظمة العقول التي ستبقى أعمالها سليمة لقرون؟ من الممكن أن يكون السبب خليط من هذا وذاك. 

فالذي أعرفه أننا عندما نتوقف عن تعلم اللغات القديمة كما في زمننا الحالي، فستظهر لنا طبقة جديدة من الأدب وستحتوي على الكتابات الأكثر همجية وغباء وعديمة النفع من أي وقت مضى. أما اللغة الألمانية على وجه الخصوص، والتي تتكون من بعض اللغات القديمة الجميلة، ستُخرب بشكل منهجي من قبل هذه الخربشات عديمة النفع حتى تصبح شيئًا فشيئًا لغة فقيرة ومُعاقة وبائسة.

إن نصف قرن من الزمن لهو وقت معتبر في تاريخ الكون لأن المادة التي تكونه تتغير بشكل دائم، هناك شيء ما يحدث دائمًا. لكن بالنسبة إلى الأدب، فإن نفس الفترة الزمنية ستذهب هباء على الأغلب، لأنه لم يحدث شيء، ولا تُحتسب المحاولات غير البارعة، لذلك نحن هنا بالضبط كما كنا قبل خمسين عامًا. 


آرثر شوبنهاور – مقالته عن “الكتب والقراءة” ترجمتها بتصرف

هل أنت متردد في اتخاذ قرار ما؟ ١٥ قانونًا لتسهيل اتخاذ القرارات

Iro Tsavala

هنا سلسلة تغريدات لجورج ماك من تويتر أعجبتني وأردت أن أنقلها لكم هنا مرتبة، ترجمتها بنفسي لعلها تفيدكم

قوانين بيزوس Bezos:
– إذا لم تكن متأكدًا أي إجراء يجب اتخاذه، فدع نفسك ذات ال٨٠ عامًا تقرر ذلك.
– إذا لم تكن متأكدًا من اختيار الشخص الذي ستعمل معه، فاختر الشخص الذي يحمل أفضل الفرص لأن يُخرجك من سجن العالم الثالث.

قانون سكنر Skinner:
إذا كنت تؤجل موضوعًا ما، فلديك خيارين فقط:
١- أن تجعل معاناة عدم فعله أكبر من المعاناة التي ستجدها عند فعله.
٢- أن تجعل لذة فعله أكبر من اللذة التي ستجدها عند عدم فعله. 

نصل الحظ:
إذا علِقت بين خيارين متساويين، فاختر الخيار الذين يُشعرك بأنه سيهب لك الحظ لاحقًا. 

استخدمتُ هذا النصل عندما اخترت الخروج مع شخص غريب لتناول المشروبات بدلًا من الجلوس في المنزل ومشاهدة نتفلكس. لاحقًا، أدركت أنه أفضل قرار ”عائد الاستثمار“ اتخذته في حياتي. 

نصل التباهي:
– إذا تفاخر شخص ما بنجاحه أو بسعادته، فافترض أنه يملك نصف مايدّعي.
– إذا تواضع شخص ما بشأن نجاحه أو سعادته، فافترض أنه يملك ضعف ما يدّعي. 

”إن الخريطة ليست التضاريس“

قانون هوفشتادتر Hofstadter:
”إن الأمر يستغرق منك دائمًا وقتًا أطول مما تتوقع، حتى عندما تأخذ في الاعتبار قانون هوفستاتر“.

كل مشروع سيكلفك أكثر بمرتين وسيستغرق أكثر ب٣ مرات مما تتوقع، حتى وإن أخذت ذلك في عين الاعتبار. 

قانون إيلون Elon:
إذا كان لديك مشروعًا، فكافح قانون هوفستاتر من خلال وضع ”ددلاين“ محفز بشكل يبعث على السخرية، حتى وإن أخذ المشروع منك وقتًا أكثر ب٣ مرات من الموعد النهائي الذي وضعته، فإنك ستكون في مقدمة الجميع.

عدم إلتزام إيلون ماسك بمواعيده النهائية السوبر بشرية هي ميزة وليست خطأ.

نصلات نافال Naval:
-إذا كان لديك خيارين لتختار أحدهما وكلاهما يحتملان فرصة اختيار ٥٠/٥٠، فاسلك الطريق الأكثر إيلامًا على المدى القصير.
-إذا كانت مهمة ما قيمتها أقل من أجرك في الساعة، فعليك بالمساعدة الخارجية، أو الإلكترونية، أو احذفها.

قانون منغر Munger:
لا تسمح لنفسك أبدًا أن تتخذ رأيًا بشأن موضوع ما حتى تستطيع أن تصيغ الرأي المعارض بشكل أفضل من المعارضين.
مغالطة الرجل الحديدي < مغالطة رجل القش

نصل هيتشن Hitchen:
ما يمكن تأكيده بدون دليل سيُهمل بدون دليل. 

سيف نيوتن الليزري المشتعل:
إذا كان هناك شيء ما يمكن أن يُحل بالتجربة أو الملاحظة، فإنه لا فائدة من الجدال.

نصلات جو روغان Joe Rogan:
– إذا كنت غير متأكدًا من الفعل الذي ستتخذه، اسأل نفسك ما الذي سيفعله بطلك في الفيلم.
– إذا كنت شغوفًا بشيء ما ولا يوجد شخص حولك مهتم، فافترض أن الإنترنت سيساعدك على إيجاد المهتمين.

جرّاح نسيم طالب Taleb:
إذا عُرض عليك مُرَشحين يظهر أنهما متعادلين في أداء الدور، فاختر الشخص الأقل جاذبية. فالشخص الذي ليس لديه جاذبية قد وصل إليك بدونها، أما الشخص ذو الجاذبية فقد جاء إليك بمساعدتها. 

نصل المشقة:
كلما كان النشاط غير مريحًا، كلما ازدادت الفرصة لأن يقودك إلى الازدهار.
كلما كان النشاط مريحًا كلما ازدادت الفرصة لأن يقودك إلى الركود.

ألف ساعة غير مريحة < ١٠ آلاف ساعة مريحة

بندقية تشيخوف Checkhov:
في القصص، إذا لم يكن الأمر مُهمًا، فلا تُدرجه في الحكاية.
”إذا أخبرتنا في الفصل الأول أن هناك بندقية معلقة على الجدار، فينبغي أن يُطلق النار في الفصل الثاني أو الثالث. لكن إن لم يُطلق النار، فلا يجب عليك أن تعلقها هناك أصلًا“.

نصل أوكام Occam:
– من المحتمل أن تكون الفرضيات البسيطة على صواب أكثر من الفرضيات المعقدة.
– تجنب أن تكون الشخص الذي يحاول حل المشكلة من خلال عدد كبير وسخيف من الفرضيات.

قانون والت ديزني:
إذا كنت تحاول جاهدًا أن تفكر بوضوح في أمر ما، ارسمه أولًا. 

هنا ما رسمه والت ديزني في عام ١٩٧٥ لإمبراطورية الإعلام التي أراد أن يبنيها:

قانون شوارزنجر:
لا تحاول أبدًا أن تحول مهاراتك الفنية إلى دخل مادي حتى لا تضحي بسعادتك الداخلية وبصيرتك من أجل المال. 

كسب أرنولد شوارزينجر الملايين من العقارات وإرشادات كمال الأجسام حتى لا يضطر إلى الموافقة على الأدوار التمثيلية التي لا تُعجبه.